مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
الكنيسة
تاريخ الكنيسة
كنيسة عذراء غوادالوبّه


 

بناء الكنيسة الأولى (1863-1865)

 

مع أن إرسالية اللاتين في بيرزيت قد افتُتِحَت في العام 1859، وذلك بعد جفنا (1855) ورام الله (1856)، إلا أن كنيستها بُنيَت قبل هاتين الإرساليتين، ولكن بعد كنيسة بيت جالا، التي كان الأب جان موريتان كاهنها ومؤسس رعيتها، وقد أبدع لكونه المهندس وأيضاً البنّاء لهذه الكنيسة، ذات الطراز الغوطي، وكانت في ذلك الوقت، بعد بازيليكا القيامة، أكبر كنيسة في فلسطين، وحافظت إلى اليوم على جمالها المعماري، وكانت كافية لاستيعاب أبناء رعيتها.

هكذا بدأ العمل ببناء كنيسة اللاتين الأولى في بيرزيت عام 1863، واستعان البطريرك فاليرغا والمرسلون الأوائل بمواهب الأب جان موريتان وعبقريته، ولكن موريتان يقول في مذكراته أنه لم يكن له إلا دور صغير في هذا المشروع. وقد عُني الأب كوديرك بأمور المساعدات المالية، كما اهتم الأب جولي بالتصميم والبناء، وانتهى العمل في الكنيسة عام 1865، وكلّفت خمسة آلاف فرنك. وبهذا الشأن يقول الأب موريتان في مذكراته:

«أنا لم أعمل خارطة كنيسة بيرزيت بل السيدة كاركويت من راهبات الناصرة السابقات، ولكني كنت حاضراً عند شراء الأرض وتحديد مكان البناء، وكانت معي بوصلة، فأعطيت التوجيهات للاتجاه الشرقي الذي يجب أن توجّه إليه الكنيسة.

وأذكر ما حدث في تلك المناسبة: كان الحقل مزروعاً بالفول، وكان مزهراً، ولم يكن لنا حق في الأرض إلا بعد جني المحصول. ولأنني لن أبقى بشكل دائم هنا، أحببت قبل سفري أن أحدد اتجاه الكنيسة الجديدة.

تقدمت وحدي إلى منتصف حقل الفول، ورافقني الأب بوست، الذي كان في ذلك الوقت كاهن الرعية المُرسَل لبيرزيت، وكنت مسلحاً بالبوصلة الصغيرة التي كانت تدور لوحدها، فأثارت فضول الموجودين جميعاً، وحضر الكثير من أهل القرية، وكان كل واحد منهم يريد أن يعرف ماذا أفعل، فداس الناس على حقل الفول في لحظات، وكانوا أكثر من مائة شخص، وبدأ صاحب الحقل يصرخ ويشتم، ولكن أحداً لم يُعره أي انتباه، ولم يستطع السيطرة على الموقف، ورأى بأم عينيه كيف تلف المحصول. ولم ننجح أنا وكاهن الرعية في أيقاف هذه الهجمة، ولم يكن عليّ سوى إنهاء العمل بسرعة ووضع علامتين كإشارة لاتجاه الكنيسة، ومن ثم الانسحاب، عندها سأجلب الجمهور إلى خارج الحقل لرؤية الآلة العجيبة التي بين يدي، وقد نجحت في ذلك، فخرج الجميع من الحقل بعد أن تركوا وراءهم دماراًً كبيراً، إذ أتلف المحصول، فتوجهنا مع الناس لإرضاء صاحب الحقل، ثم ذهبنا لشرب القهوة وأكل البطيخ عند أحد شيوخ القرية الذي دعانا عنده».             MORETAIN, Mémoires, 427

في السنة التي تلت 1863 شهد العمل في البناء بطئاً شديداً وانقطاعات. وأرسل الأب يوسف كوديرك إلى البطريرك فاليرغا، بمناسبة حادثة مؤسفة حصلت مع مسلمي عين سينيا، القريبة من جفنا، بمعلومات مهمة حول الكنيسة الجديدة، طالبا من غبطته أن يكمل دعم هذا البناء.

«أستغل المناسبة يا صاحب الغبطة لكي أنقل لك انطباعاتي حول بناء كنيسة بيرزيت. فطول هذه الكنيسة من الخارج يبلغ 18 متراً وعرضها 8 أمتار. لها بابان و11 نافذة. يبلغ ارتفاع جدرانها الجانبية 8 أمتار. كما تنتصب فيها 9 أعمدة على طول كل جدار التي عليها يرتكز السقف، وهو على شكل ظهر حصان.

وأظن أنك تعرّضني للمجازفة إذا ما قررت أن تنهي العمل بمبلغ 2500 فرنك فقط. وبما أنني أرى أنه من الضروري إنهاء العمل، سواء للمنفعة المعنوية أو المادية لأبناء القرية، فإنني أرجوا من غبطتكم أن توافقوا على مبلغ 5000 فرنك، تُقسَم على دفعتين خلال سنتين، وأنا بدوري ألتزم في أن أنهي العمل جميعه في بيرزيت دون أن لا أطلب بعدها أية دفعات أخرى، سوى مواد التزيين والأدوات، التي تريد غبطتكم أن تختارها بنفسك لتزيين الكنيسة. وإن كانت الدفعة التي طلبتها من غبطتكم قد نقصت، فإنني سأتكفل بتدبير الباقي، وإن زاد منها مبلغ فإنني أتعهد أن أعيده إلى صندوق البطريركية.

ومهما كان قراركم، فإنني اسأل غبطتكم أن لا تبقوني في الحيرة لوقت طويل، حيث أنه إن كان الجواب بالإيجاب، كما أرجوا أن يكون، فإن الوقت مناسب جدا الآن لكي نعود إلى العمل».

Lettre de D. Coderc au Patriarche Valerga, du 8 avril 1864.

استجاب البطريرك لطلب الأب كوديرك، فكان لبيرزيت الحظ أن ترى كنيستها الأولى قائمة، وقد انتهى العمل في بنائها عام 1865. ومن بعدها كان يلزم وقتاً أكثر لبناء كنيسة جفنا ومن ثم الطيبة. وفي شأن ذلك، كتب البطريرك فاليرغا تقريرا إلى مجمع نشر الإيمان في ليون عام 1867، يقول فيه:

«رفعنا في جفنا والطيبة إلى مستوى معين مداميك كنيستين حجمهما حسب حاجة كل بلد وحسب آمالنا، إلا أن النقص في المصادر المالية قد أجبرنا على إيقاف العمل».

VALERGA: Rapport à la Propagande de Lyon, du 3 fevrier 1867.

أما في تقريره عام 1870 فنراه يأسف لعدم إنهاء العمل في كنيستي جفنا والطيبة.

بعد أن رأى الأب جولي كنيسته بُنيت في بيرزيت، كان عليه أن يترك القرية مع نهاية العام 1865. وقدّر البطريرك فاليرغا هذا الكاهن لنشاطه وديناميكيته، فأرسله إلى بيت جالا ليحلّ مكان الأب أنطون ديكها (1829-1911) من القدس. وكان هذا الأخير تنقصه الشجاعة والتصميم، إذ لم يبدِ أي اهتمام لمواجهة الوضع الجديد الذي طرأ على بيت جالا. فقد حصل غزو مفاجئ ومتزامن للروس واللوثريين، الذين استخدموا وسائلهم وإمكاناتهم المادية الكبيرة لإغراء الكاثوليك أو الأرثوذكس. فأرسل البطريرك بالأب جولي إلى بيت جالا في شهر كانون أول 1865. وقد كان هذا الكاهن عند حسن ظن البطريرك فاليرغا، حيث أنه وخلال العشر سنوات التي قضاها في بيت جالا، قبل أن يعود من جديد إلى بيرزيت، استطاع أن يتخلّص من التهديد الروسي واللوثري، ويحمي أبناء كنيسته منهم، وقد بلغ عدد الرعية 600 مؤمن عند تركه لبيت جالا في العام 1875، قبل أن تبدأ الهجرة بتدمير أو اضعاف عدد كبير من رعايا المنطقة.

 

 

الكنيسة الثانية لرعية بيرزيت

 

بوشر في بناء الكنيسة الجديدة على اسم عذراء غوادالوبّة سنة 1954، في عهد الأب أنطون بوزو، وللمصادفة فقد كُشف عند حفر الأساسات عن أثارات لكنيسة قديمة، كانت قائمة منذ القرون الأولى في نفس الموقع. لكن ما الذي دعى لتكريسها لسيدة غوادالوبّة ؟ وكيف بدأ الأب أنطون هذا المشروع ولماذا؟ من ساعده في ذلك؟

في العام 1960، زار بيرزيت المونسينيور أغويلار، رئيس كهنة معبد سيدة غوادالوبّة المكسيكي. وعند دخوله الكنيسة القديمة لزيارة القربان الأقدس، لاحظ فوق الهيكل صورة العذراء التي حُبل بها بلا دنس، للمصور الأسباني موريلّو، وهي تسحق الحية الجهنمية. فاقترح المونسينيور أغويلار على المسؤولين تحويل اسم الكنيسة الجديدة إلى اسم «سيدة غوادالوبّة» ساحقة الحية الحجرية.

وافقت البطريركية اللاتينية على اقتراحه، وشرع المونسينيور أغويلار يساهم في نفقات تشييد الكنيسة الجديدة، كما وشارك أهالي البلدة والمحسنون الإيطاليون والأمريكيون والسويسريون في التبرعات السخية حتى تم إنجازها في العام 1975.

أما حفلة التكريس فقد تمّت في 27 أيلول 1975، وجاءت نتيجة أتعاب مضنية ومتواصلة دامت عشرون عاماً. وها هي العذراء، سيدة غوادالوبّة، أم الضعفاء الحنون الرؤوم، تهنأ بكنيسة رائعة جديدة، شُيّدت إكراماً لها في وطنها العزيز الأرض المقدسة، فلسطين.

 

أولى الرسائل التي بعثها الأب أنطون بوزو

لطلب المساعدة في بناء الكنيسة الجديدة

 

مشروع بناء كنيسة جديدة على اسم العذراء الحبل بلا دنس في بيرزيت (بالقرب من القدس) الأردن بموافقة غبطة بطريرك القدس اللاتيني

 

أصدقائي الأعزاء،

بين السنوات 1936 و 1956 ارتفع عدد المؤمنين الكاثوليك في بيرزيت من اربعمائة إلى تسعمائة شخص، وهذه بالتأكيد بركة لنا من الله في أرضه المقدسة. إن هذه الزيادة، والتي بلغت بنسبة المائة بالمائة، جعلت من بناء كنيسة جديدة أمراً ضرورياً وملحاً. وكان غبطة البطريرك ألبرتو غوري قد شاهد بأم عينيه هذه الحاجة إلى كنيسة واسعة، ولم يستطع أن يفعل شيئاً بسبب نقص الموارد المالية في ذلك الوقت، وقد ضاقت الحال بالبطريرك، بسبب كثرة المطالب والالتزامات تجاه الفقراء وأبرشيته.

ولكن شعبنا في بيرزيت لن ينتظر وقتاً أطول. فسوف يبدأون العمل بأنفسهم، مقدّمين المواد والتبرّعات والأيدي العاملة، وإن كانت متواضعة، حتى يبدأ العمل ببناء كنيستهم الجديدة. فعندهم الثقة الكاملة بالله، وهم يعرفون أن أناسا طيبين من أمثالكم، سوف يأتون لنجدتهم. ويعرفون أنكم ترغبون في مساعدتهم على تحقيق طموحهم الكبير في بناء مكان متواضع صغير للعبادة، يوافق عددهم المتنامي. هكذا فإن قيام كنيسة جميلة في قريتهم سوف يذكرهم وباستمرار أن سخاءكم هو الذي حقق هذا الحلم.

مهما تستطيعون أن تعطوا، إن كان كثيراً أو قليلاً، سيساعدنا. ومن أجلكم أنا ككاهن رعية بيرزيت، ومع أبناء شعبي جميعاً، نرسل إليكم كل بركة من الأرض المقدسة.

مع الشكر الجزيل

الأب أنطون بوزو                                                السيد حنا متري قسيس

راعي كنيسة العذراء الحبل بلا دنس                           سكرتير

 بيرزيت (رام الله)

 

 

 

بناء الكنيسة الجديدة في عهد الأب أنطون بوزو

 

بدء العمل

 

كان اهتمام الأب أنطون بوزو بعمل الخير وإيجاد فرص العمل للعاطلين عنه، بالإضافة إلى الحاجة إلى إيجاد مكان أكبر للعبادة، معتمداً على العناية الإلهية، فقرر الإقدام على بناء الكنيسة الجديدة.

ففي عام 1953 افتتح الأب أنطون ورشة للعمال الذين يدقّون الحجارة، تحضيراً لبناء كنيسة المستقبل، وكان الكاهن نفسه قد صمّم الخارطة عام 1951 بمساعدة المهندس بول كوفرير، وهو رئيس رهبان اللطرون، وقد اتفق الاثنان أن يكون بناء الكنيسة من حجر بيرزيت الصلب من الداخل والخارج. غير أن الراهب المهندس توفي عام 1957 قبل الشروع بالبناء، فحلّ مكانه تلميذه المخلص الأب بولان شنايدر، وهو أيضاً راهب من رهبان اللطرون، ومتخصص في الاسمنت، وكان بخبرته هذه قد شارك في ترميم كنيسة القيامة.

تكفّل هذا الراهب بوضع مخطط بناء الكنيسة والإشراف على العمل بكل دقة. وبعد أن أنجز الأب أنطون الخارطة أخذ يفكر بالتمويل، حيث لم يفكر بالاعتماد على الرعية ولا على البطريرك، فالبطريرك مشغول في تأسيس مدارس وأديرة في شرق الأردن. وقرّر الأب أنطون الاعتماد على نفسه في التمويل، فتوجه إلى رعيته في مدينة «أودرزو» Oderzo، في منطقة فيتّوريو فينيتو (شمال إيطاليا)، ومن هناك بدأ بجمع التمويل، حيث اعتمد على كاهن رعيتها المونسينيور دومنيكو فيسانتيني، ذي الشخصية المميزة، كما توجّه إلى مواطنيها الكرماء، فوجد عندهم الدعم والتأييد. وتوجّه أيضاً إلى المغتربين من أبناء بيرزيت في الأردن والدول العربية والأمريكيتين، الذين أكدوا له أنهم لن ينسوا كنيستهم.

وفي شهر أيار 1954 أعلن الأب انطون أمام رعيته أنه يمتلك بعض الأموال لبدء أعمال البناء في الكنيسة، مما أدخل الفرحة إلى قلوبهم. وهكذا بدأ الأب أنطون ورشة دق الحجارة في الجهة الشمالية للكنيسة القديمة، وكان مع الأب كوفرير قد قام باختيار موقع الكنيسة الجديدة، إلى الشمال من موقع الكنيسة القديمة، حيث كان هذا الموقع الوحيد الصالح لذلك، وكانت الأرض في الناحية الشمالية تنحدر بشدة، فعرف الخوري والمهندس كيف يستفيدان من هذا الانحدار، فاستغلا ذلك لبناء قاعة للرعية، وروضة للأطفال، وصفوف للمدرسة.

 

آثار كنيسة من القرون الأولى

 

 فوجىء العمال كما فوجىء الأب أنطون حال بدء تسوية الأرض بمفاجأة سارة، فقد وجدوا آثار كنيسة قديمة على عمق مترين، ترجع إلى العصر البيزنطي، تلك الكنيسة التي تحدث عنها الّرحالة غويران، أثناء زيارته إلى بيرزيت، والتي كشف عنها الأب جولي عام 1865.

كتب الرحالة غويران أنه شاهد أعمدة مغمورة في الأرض، وخلال عملية حفر الأساسات للكنيسة الجديدة تبيّن، وبشكل واضح، أن الآثار التي تحدّث عنها الرحالة غويران والأب جولي هي عبارة عن مكان عبادة قديم، كما وجدوا بئرا رومانية كبيرة، ومقبرة بحالة جيدة، تحتوي على أربعة هياكل عظمية، وبعض الفوانيس.

وقد قام عدد من الرهبان بزيارة الموقع وفحصه، وكان هؤلاء علماء آثار ومن دير سانت إتيان (الدومنيكان)، قرب باب العامود في القدس، ففضّلوا ترك الموجودات من هياكل عظمية لمسيحيين قدامى في نفس المكان، حرصا منهم على تفادي الإحراج مع دائرة الآثار. ثم استمروا بحفر الأساسات، ولكن اكتشاف المقبرة جعل الأب أنطون يفكر بعمل فستقية تحت الكنيسة الجديدة: تُخصّص لدفن  الكهنة من  بيرزيت.

 

حجر الأساس

 

ابتدأ العمل في الكنيسة عام 1954 تحت إشراف ومراقبة الأب بولان من اللطرون، وفي 1\5\1958 بارك الأب أنطون، في احتفال سرّي، حجر الأساس لهذا الصرح الروحي الجميل.

وكان العمل في الكنيسة بطيئا ومترافقاً مع عملية التمويل المالي، وتم اختيار الحجر من النوع «المزّي» الصلب الذي يميل لونه إلى الرمادي.

عام 1963 إنتهى العمل في البنية التحتية للكنيسة، أي الطابق الأول، وتمّ تدشين القاعة في احتفال علني في أول قداس للأب مناويل مسلم، الذي رسم كاهنا في 29\6\1963، فاحتفلت الرعية بالمناسبتين. وقد تم إنجاز بناء الروضة الحديثة للأطفال، بتبرّع سخي من قبل سيدات القبر المقدس السويسريات.

 

انطلاق البناء

 

بعد الانتهاء من بناء البنية التحتية للكنيسة، بدأت أعمال بناء الكنيسة ذاتها. في ذلك الوقت كانت الأوضاع الاقتصادية قد بدأت بالتحسُّن، كما كان الحال في سائر البلدان. وبدأ العمل ينتعش في شرق الأردن، خاصة في عمان والزرقاء. وكانت المواصلات بين ضفتي نهر الأردن سهلة لعدم وجود حدود تفصلهما. لذلك، وجد الفلسطينيون في الأردن مكاناً جيّداً للعمل. ومن خلال الأردن كانوا ينطلقون للعمل في الكويت، نظراً لارتفاع الرواتب فيها. وفي نفس الوقت كانت أعمال البناء تستعيد عافيتها في كل من القدس ورام الله، وصاحب ذلك ارتفاع دخل الفرد ودخل العامل. في هذا الوقت لاحظ الأب أنطون أن العمل في البناء، والذي كان يسير ببطء، حيث بدأه من أجل مساعدة العائلات العاطلة عن العمل، باهظ التكاليف، واختفت الدوافع لمساعدة قاطعي الحجر وعائلاتهم. وفي نفس الوقت بدأت النفقات في الارتفاع، وقلّت الموارد المالية، وهكذا مع زوال الاعتبار الإنساني، بدأ الأب أنطون يُسرع في وتيرة العمل، خاصة أن بناء كنيسة جديدة للرعية أصبح حاجة ملحّة، في الوقت الذي أصبحت فيه الكنيسة القديمة غير صالحة للصلاة، نظراً للتصدّعات الكثيرة، وأضحى ترميمها بغير جدوى.

 

هموم مالية

 

عبّر الأب أنطون عن همومه هذه للبطريرك ألبرتوغوري، ولكن ولسوء الحظ، كان هذا الأخير منشغلاً ببناء الكنائس في شرق الأردن، وقد وضع كل ثقله وميزانيته هناك. عندها قرر الأب انطون الاعتماد على العناية الإلهية كمخرج وحيد لأزمته.

 

المونسنيور غريغوريو أغويلار ومساعدات المكسيكان

 

تجسّدت العناية الإلهية في شخص كاهن مكسيكي هو المونسنيور غريغوريو أغويلار، رئيس كهنة المعبد الوطني لسيدة غوادالوبّة في المكسيك. فقد أتى هذا الكاهن للحج إلى الأرض المقدسة عام 1960، وأثناء وجوده في القدس التقى بالمونسينيور يعقوب بلتريتي، الذي كان سكرتيرا لغبطة البطريرك، وقال له أنه يريد أن يساعد في الأرض المقدسة باسم عذراء غوادالوبّة كنيسة قيد البناء. ورأى المونسينيور بلتريتي، الذي كان على اطلاع مباشر على هموم أخيه كاهن رعية بيرزيت، في ذلك إشارة من العناية الإلهية، فاصطحب المونسينيور أغويلار إلى بيرزيت، وعندما رأى لوحة تمثّل العذراء الحبل بلا دنس فوق هيكل الكنيسة القديمة، أوضح المونسينيور أن هذه هي العذراء «الساحقة لرأس الحية الجهنّمية» الموجودة في غوادالوبّة، عندئذ صرّح أنه إذا أُعطي للكنيسة الجديدة التي بُدئ العمل بها اسم سيدة غوادالوبّة، الأمر الذي يعطيها صبغة مكسيكية، فإنه بذلك يستطيع أن يقدّم المساعدة بشكل فعّال لإنجاز هذا المشروع الضخم، وهكذا تم الاتفاق بين الرجلين.

وبعد عودته إلى المكسيك عقد المونسينيور أغويلار مجمَع المعبد الوطني المكسيكي وعرض عليهم الفكرة، فجاء الرأي بالإجماع على الموافقة في المساعدة على بناء كنيسة العذراء سيدة غوادالوبّة في بيرزيت. وقد قضى المونسينيور أغويلار 3 سنوات رئيساً لهذا المعبد، استطاع فيها أن يُرسل 44 ألف دولار للمشروع. وكان هذا المبلغ، بالإضافة إلى مساعدات أخرى، قد ساهم في دفع عجلة العمل ورفع جدران الكنيسة.

ولكن في العام 1963 تغيّرت إدارة المعبد المكسيكي، فتوقّفت المساعدات إلى كنيسة بيرزيت، إلا أن المونسينيور أغويلار استعدّ لتقديم مساعدات شخصية منه، فأرسل مبلغ 10 آلاف دولار قبل أن يتوفى بتاريخ 1/5/1975.

 

تبرّعات

 

تأثر الأب أنطون بوفاة المونسينيور أغويلار الذي دعمه في بناء الكنيسة الجديدة، وتوجّه إلى صديقه، الذي كان موجوداً مع البطريرك البرتوغوري في المجمع المسكوني، وطلب منه أن يتوسّط لدى مطران المكسيك المونسينيور ميرندا، فأجابه أنه ليس له سلطة على كنيسة غوادالوبّة، التي كانت قد تعرّضت لانزلاقات أرضية في ذلك الوقت، وأضحت بحاجة إلى ترميم، ومن المفترض أن يكلّف ترميمها مبلغا كبيرا من المال، لذلك توقّفت مساعدات المكسيكيين لكنيسة بيرزيت، وأصبح من الضروري الاعتماد على كنيسة القدس. وفي الفاتيكان أخذ الكردينال تيستا الذي كان مسؤولاً عن رعاية البطريركية في القدس بإرسال مساعدات بسيطة كل عام، كما أن صديق الأب أنطون المونسينيور ميرلو، الذي كان مديراً لمدارس البطريركية ولمدة طويلة، كرّس نفسه لخدمة كنيسة بيرزيت، وخصص لها كل ثروة عائلته، بالإضافة إلى مبالغ جمعها هو بنفسه من إيطاليا. كما تبرّع بمكتبته العربية الخاصة الموجودة في سمينير البطريركية، ولم تكن جميع المبالغ المذكورة، إضافة إلى المبالغ التي كان يتبرّع بها مواطنو بلدة أودرزو الإيطالية – وهي بلدة الأب أنطون – كافية لإتمام المشروع. وزاد الأمر سوءاً حرب حزيران 1967 ووقوع كل الضفة الغربية، ومن ضمنها بيرزيت، تحت الاحتلال الإسرائيلي. فقد تبع ذلك تضخّم مالي كبير في إسرائيل والمناطق المحتلة، وأخذ العمّال العرب يعملون في إسرائيل بأجور عالية، مما ألقى على ورشة كنيسة بيرزيت أعباء كبيرة، وأصبح من الضروري إنهاء العمل بأسرع وقت ممكن.

 

إنهاء العمل

 

بعد وفاة البطريرك البرتوغوري حل مكانه المونسينيور يعقوب بلترتي، الذي كان يتابع مسألة كنيسة بيرزيت باستمرار، وقد توصّل الى قرار بشأن العمل بجد لإنهاء العمل في الكنيسة، وكان البطريرك بلترتي منهمكاً بإنهاء العمل لتشييد كنيسة أخرى في الزبابدة، وكان التضخم يزداد، وكانت مسألة إنهاء العمل في كنيسة الزبابدة تزداد إلحاحاً، إلى أن انتهى من بنائها، ودُشّنت في 28/7/1974، بعدها انصبّت الجهود على بناء كنيسة بيرزيت، فُكّرست كل الطاقات والإمكانيات المادية من أجل ذلك، حتى تم إنجاز المشروع الذي استمر 24 سنة.

وكان الجهد الحاسم والمميز قد جاء من فرسان القبر المقدس الأمريكان، وعلى رأسهم جون كريغ، الذي تبعه بنفس الحماس الأب روسيل كندال، الذي بذل جهداً كبيراً عام 1971، مما أتاح الإسراع في بناء الجدران والأقواس، وأخيراً العقد الذي انتهى العمل به في شهر آب 1974. وعلينا أن لا ننسى مساعدة المتبرعين السويسريين والإيطاليين والمكسيكيين ورعية بيرزيت نفسها، التي اتّصف أبناؤها بالسخاء. ولا بد من الإشارة إلى المساعدة التي قدّمها المونسينيورأغويلار وهي عبارة عن 44 ألف دولار تبرّع بها بشكل شخصي، ثم الخمسة آلاف دولار التي تبرّع بها المونسينيور غاليرمو شولينبورغ.

 

جولة داخل الكنيسة الجديدة

 

 ذكرنا سابقا أن موقع الكنيسة تم اختياره إلى الشمال من الكنيسة القديمة في أرض الإرسالية وكيف أن الصدفة الإلهية شاءت أن تبنى فوق أساسات كنيسة بيزنطية قديمة من القرون الأولى.

 

شكل الكنيسة

 

شُيّدت الكنيسة الجديدة من الحجارة من الخارج ومن الداخل أيضاً، وهي حجارة مقطوعة من أرض بيرزيت، صلبة وذات ألوان مموّجة بالأصفر والأزرق والأحمر، وهي على شكل صليب، طولها 34 مترا من الداخل، و39 مترا من الخارج، وعرضها من الداخل 11.34 مترا، وعرض الجناحين 20 مترا ويبلغ ارتفاعها 11 مترا، وبداخلها قوسان جميلان عرضيان يجعلان المشهد أكثر جمالا.

لها سقف جملوني قرميدي مائل من الخارج، وقبو برميلي مستمرّ مدعّم بأضلاع من الداخل، وهي في هذا تشبه نظام كنائس الطراز الرومانسكي.

 

أولاً: الكنيسة من الخارج

 

الواجهة الأمامية

 

تظهر الكنيسة خلف الساحة الإسفلتية جميلة المنظر، تزيدها حجارة بيرزيت البلدية رونقا، وتظهر الواجهة الأمامية للكنيسة. وهنالك النافذة الكبيرة، ذات الزجاج المعشّق، والتي تقع فوقها اللوحة الفسيفسائية لعذراء غوادالوبّة، حيث تلقي العذراء بنظراتها من أعلى الواجهة، مذكّرة من جديد باسم الكنيسة «سيدة غوادالوبّة».

في قمة الكنيسة يعلو صليب من الحجر مقدّم من الأب سليمان سمندر، ابن بيرزيت.

 

المدخل الخارجي

 

هو عبارة عن درج يرتفع 2.28 م أي 14 درجة عن مستوى الساحة الأمامية، ويمتد على عرض الكنيسة.

نجد المدخل مزيّناً بالأعمدة الحجرية وهي تساهم في حمل الجلاجل، إضافة إلى إضفاء مظهر العظمة على الكنيسة، ولها تيجان مزخرفة بأوراق نباتية، وهي أربعة أعمدة، اثنتان في الوسط، واثنتان عن اليمين واليسار، ملتصقتان بجدار الكنيسة فيظهر نصفهما فقط.

وهناك عامودان آخران على بوابة المدخل الحديدية مباشرة محمولتان على كرسيين، وعليهما عقد نصف دائري، يحوي لوحة فسيفسائية جميلة، تُمثِّل العائلة المقدسة، التي كانت تمرّ عبر الطريق القديم المار من القدس عبر بيرزيت من الناحية الشمالية. وهذا المدخل مستوحى من دير اللطرون، وله هيبة خاصّة، إذ أنه يأتي بعد الصعود على أربع عشرة درجة من الحجارة المدقوقة.

 

الجرسية أو برج الأجراس

 

يرتفع هذا البرج 33 متراً عن مستوى أرضية الكنيسة، وفيه 81 درجة تصل صعوداً إلى حيث توجد الأجراس، وعددها أربعة، بأحجام مختلفة، وهي متصلة بمحركات كهربائية مبرمجة على جهاز كمبيوتر وساعة ألكترونية، وصوتها عندما تُقرع جميل جداً، إلا أنها، وبسبب ارتفاعها الشاهق تعرّض الوصل الكهربائي للتلف، فتوقفت الأجراس عن الرنين، إلى حين تم إعادة ترميمها وتزويدها بمحركات وكمبيوتر ولوحة كهربائية جديدة، من قبل المصنع الذي قام بتصنيعها في إيطاليا.

 

ثانياً: الكنيسة من الداخل

 

الدخول إلى الكنيسة عبر بابين: باب خارجي من الحديد الصلب. وباب داخلي (أو مجموعة أبواب داخلية) من الخشب المنحوت تم عملّه حديثاً عند نجار محترف من بلدة عابود، حيث يتضمّن غلافاً كبيراً من الخشب الزان المحفور بأشكال كنسية جميلة وبالزجاج المضروب بالرمل ليعطي رسومات جميلة. ويتضمّن هذا خمسة أبواب: أولها الباب الرئيسي ويفتح في المناسبات الكبيرة فقط، وبابان على الجانبين لدخول المؤمنين، ثم هناك بابان ينفتحان على الدرج الصاعد إلى منطقة الجلاجل.

وقد تمّ إغلاق هذه المنطقة بالزجاج العازل للصوت لهدفين، أولهما على يسار المدخل إلى الكنيسة: غرفة للأطفال مع أمهاتم، بحيث تستطيع الأمهات مع أطفالهن متابعة القداس منها من دون التسبب في إزعاج المصلين، فيما لو قام الأطفال بالصراخ. وثانيهما على يمين المدخل إلى الكنيسة لسر الاعتراف.

ترتفع فوق الباب الرئيسي من الناحية الداخلية لوحة فسيفسائية جميلة تمثّل ظهور العذراء سيدة غوادالوبّة للقديس خوان دييغو، وهي تقدِمة من شقيقة الأب أنطون بوزو التي أتت إلى بيرزيت لحضور مراسم الافتتاح سنة 1975.

 

منطقة الجلاجل

 

تقع هذه الشرفة الواسعة في نهاية الكنيسة، حيث تتسع لعدد من المصلّين، وترتفع حوالي 5 أمتار عن أرضية الكنيسة. يُصعد إليها بواسطة سلّمين من الدرج الحجري من كلا الجانبين، كل منها يحتوي على 29 درجة، بُنيا بطريقة مريحة للصاعد. وفي أسفل الدرج وُضعت غرفة الاعتراف من اليمين.

 

صحن الكنيسة

 

يبلغ عرضه 11.5 م وطوله 24.5 م، وفيه أربعة وأربعون درجاً قدّمها أبناء الرعية. وعلى جانبيّ مؤخرة الكنيسة لوحتين من الفسيفساء، وهي كالتالي:

اللوحة الأولى تمثل العشاء السرّي، قدمها عبدالله السايح، واللوحة الثانية تمثّل عمّاد يسوع في نهر الأردن، قدمها الدكتور كداريو من توقاري.

ومن الجدير بالملاحظة أن موقع هاتين اللوحتين خطأ، فلوحة العشاء السري يجب أن تكون فوق مذبح القربان على يمين الهيكل، والأخرى (عمّاد يسوع) قبالة جرن المعمودية على يسار الهيكل. ولكن بسبب خطأ في القياس تم وضعهما في المكانين المذكورين أعلاه.

الأعمدة قليلة في الكنيسة، وهي غير ظاهرة للعيان حيث نجدها متّصلة بالجدران لكنها بارزة بمقدار 30 سم، وعددها 17 عموداً داخلياً تنتهي في الأعلى بأطراف تشبه الأضلاع تساعد في حمل القبو البرميلي الذي يسقف صحن الكنيسة.

وكما كان سائداً في فجر المسيحية يظهر القوس الضخم القائم في السقف والذي يفصل بين الصحن الرئيسي ومنطقة الهيكل، وكان يرمز إلى النصر في العصور الرومانية.

 

منطقة الهيكل

 

منطقة الهيكل هي عبارة عن نصف دائرة كبيرة (نصف قطرها 5.57 م) وترتفع عن أرضية الكنيسة 60 سم، أي بارتفاع ثلاث درجات. وهذه المنطقة تحيط بالهيكل الذي نُحت من صخرة كبيرة ترتكز على عمودين. وقد تبرّعت بحجر الهيكل عائلة يعقوب سمندر، إحدى عائلات بيرزيت المسيحية التي هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

في منطقة الهيكل أربع لوحات فسيفسائية تم تصميمها في إيطاليا، في معامل الفاتيكان للفسيفساء، وهي تقدمة من المونسينيور أغويلار تم وضعها بتاريخ 12/3/1975 في اليوم الذي احتفل به المونسينيور أغويلار بعيد ميلاده الثمانين، وهذه اللوحات هي:

اللوحة الرئيسية، وهي في أعلى صدر الكنيسة، وتُعتَبر أكبر لوحات الكنيسة، كما يغلب عليها اللون الذهبي والأزرق، وتمثل أمّنا مريم العذراء سيدة غوادالوبّة، وجهها جميل جداً، لا بل أقرب إلى وجه العذراء الفلسطيني الحقيقي، وعليها هالة كبيرة من النور، وعلى جانبي اللوحة من أسفل رسم للكنيسة ذاتها ورسم آخر لكاتدرائية سيدة غوادالوبّة القديمة في المكسيك.وقد صُنعت في ورشة عمل الفسيفساء في الفاتيكان بتكلفة 800.000 ليرة إيطالية، وتزن 200 كغم.

اللوحة الثانية، وتقع في أسفل اللوحة الرئيسية، وتمثل السيد المسيح على الصليب، ويغلب عليها اللون الذهبي.

اللوحة الثالثة، على يمين المذبح، وبشكل نصف دائرة، وتمثّل حادثة نزاع يسوع في بستان الزيتون، ويغلب عليها اللون الأزرق.

اللوحة الرابعة، على يسار المذبح، وبشكل نصف دائرة أيضاً، وتمثّل حادثة القيامة العجيبة. ويغلب عليها اللون الأزرق.

 

مذبح القربان الأقدس

 

على يمين الهيكل مذبح بيت القربان الأقدس، وتعلوه لوحة فسيفسائية تمثّل قلب يسوع الأقدس، باللون الأحمر والأزرق والذهبي. أما المذبح فهو في الواقع نفس المذبح الذي كان موجوداً في الكنيسة القديمة، التي بُنيت عام 1863، والتي هُدمت بعد الانتهاء من بناء الكنيسة الجديدة، أي بين الأعوام  -1972 1975، وهو منحوت من الصخر، وقائم على أربعة أعمدة قصيرة، في أسفله نحت لثلاث صور، حيث تمثّل الصورة الوسطى العذراء الحبل بلا دنس تدوس الحية وعن يمينها النبي أشعيا الذي تنبأ عن العذراء وعن اليسار داؤود النبي. وقد قام بحفر هذه الصور نحّات من أبناء الرعية في بيرزيت، وهو السيد نعّوم يعقوب بربار (1907-1970).

في الناحية الخلفية باب يؤدّي إلى الجرسية.

 

جرن المعمودية

 

على يسار الهيكل توجد منطقة المعمودية، حيث يعلو جرن المعمودية، المصنوع من الصخر، لوحة فسيفسائية جميلة تمثّل أمنا مريم العذراء مع الطفل يسوع، ويغلب عليها اللون الأزرق. ومن الناحية الخلفية باب يؤدّي إلى كابيلا القربان الأقدس والسكرستيا.

من الجدير ذكره أن لوحتا الفسيفساء فوق مذبح القربان الأقدس وجرن المعمودية قد قدمهما السيد إبراهيم سعادة من بيرزيت. إلا أنهما موضوعتان في المكان غير الصحيح بسبب الأخطاء في القياسات، ومن المفروض أن توضعا مكان اللوحتين القائمتين عن يمين ويسار صحن الكنيسة.

 

الكابيلا والسكرستيا

 

تقع في الجناح الغربي للكنيسة منطقة الكابيلا والسكرستيا.

كابيلا القربان الأقدس: كانت فيما مضى السكرستيا، إلى أن جاءت الفكرة حديثاً بتحويلها إلى كابيلا (مُصلّى صغير) تتسع لنحو 30 شخصاً، وتُستخدم للصلاة الشخصية، وإقامة القداس اليومي، وساعات السجود والتأمل، وقد جُهزت بهيكل وبيت قربان ونوافذ ملونة، ورفوف من الخشب. وكان افتتاحها ليلة عيد رأس السنة الميلادية 2004.

السكرستيا: وتقع خلف الكابيلا ويوجد فيها ملابس الكاهن وخدام الهيكل وأدوات الهيكل. وفيها باب للخروج باتجاه المدرسة ودير الراهبات.

 

نوافذ الكنيسة

 

يمكن اعتبار نوافذ الكنيسة، ذات الزجاج المعشّق، من أكثر العناصر تميّزاً وجمالاً، فهي مصنوعة من مجموعة كبيرة من ألواح وقطع الزجاج الملوّن ذي الأشكال والأبعاد والألوان المختلفة، تم تجميعها مع بعض بواسطة أطر من الرصاص والقصدير المرن المحشو بالرمال، لتشكّل لوحة من الرسومات والرموز الجميلة جداً، وهي خمسة نوافذ كبيرة، إحداها في واجهة الكنيسة الأمامية، واثنتان ترتفعان على الواجهة اليمنى للكنيسة، واثنتان على الواجهة اليسرى، وهنالك نافذتان عن يمين ويسار منطقة الهيكل.

ويبلغ ارتفاع النافذة الواحدة أربعة أمتار عن أرضية الكنيسة، وارتفاع النافذة نفسها متران، وتم صُنعها في دير اللطرون من قبل الأخ بولان، وزيّنت الكنيسة قبل افتتاحها في 27/9/1975. والأخ بولان هو تلميذ وخليفة للأب فيليبرو، وقد ورث عنه هذا الفن الجميل في صناعة النوافذ ذات الزجاج المعشّق، كما ورث الهندسة المعمارية عن الأب كوفرور.

 

حفل افتتاح الكنيسة الجديدة

 

كان الاحتفال بافتتاح الكنيسة مناسبة رائدة لحضور الكثيرين ممن ساهموا في بنائها. فقد حضرت 21 مجموعة، تضم 44 فارساً من فرسان القبر المقدس، برئاسة السير وليم دويل. فغمرتهم السعادة لحضور حفلة الافتتاح. وكان هناك أيضاً عددا من فرسان القبر المقدس من المكسيك بقيادة برونشو شوفيز وعائلته.

 

الوفد المكسيكي

 

كان حضور الوفد المكسيكي لافتاً للانتباه بسبب الارتباط الوثيق بين كنيسة بيرزيت وكنيسة العذراء سيدة غوادالوبّة في المكسيك، وكان البطريرك بلتريتّي حريصاً على تعريف رعية بيرزيت برعية المكسيك، تلك الرعية التي أحضرت نشرة مكوّنة من 20 صفحة، قام بترجمتها كاهن جفنا الأب الفرد عطية، وطُبعت في مطابع البطريركية ووزعت بشكل مكثّف في الاحتفال، وقد تبنى الأب بلتران تكاليف طباعة النشرة التي وُزّعت بخمس لغات وتحمل الصفحة الأولى فيها صورة وتاريخ كنيسة العذراء سيدة غوادالوبّة، وفي الصفحة الأخيرة يوجد عرض لبيرزيت وكنيستها. وقد قدّر البطريرك والكهنة مبادرة الأب بلتران وتبرّعه الكريم. ثم أحضر الحجّاج المكسيكان علم بلادهم ولافتة كبيرة لعذراء غوادالوبّة وكان دخولهم إلى ساحة الكنيسة يحمل البهجة والتأثر لدى أهل بيرزيت.

وكان من بين أعضاء الوفد المكسيكي شقيق المونسينيور أغويلار وشقيقته، وقد جلبا لكنيسة بيرزيت الجديدة، كهدية لذكرى أخيهما المونسينيور، بذلة قداس ثمينة جداً من حرير أبيض ناعم مطرز بخيوط من ذهب، وكأساً جميلة مذهّبة، وقد كانت هذه هدية عائلته له في يوم رسامته الكهنوتية في روما في 3 نيسان 1920.

 

الوفد الإيطالي

 

في نفس الوقت كان حضور الحجاج الإيطاليين ومنهم 44 شخصاً من بلدة أودرزو، وهي بلدة الأب أنطون، يقودهم المنسنيور أرتيكو، الذي كان صديقاً للأب أنطون في السمينير، وقد خلف المونسينيور ارتيكو كاهن رعية اودرزو بعد وفاته عام 1963 وورث عنه كل مشاعر التعلّق بالأرض المقدسة، وقد صاحبه عدد من الأصدقاء والكهنة الذين ساهموا مساهمة فعلية في مشروع مدرسة وكنيسة بيرزيت، ومن بينهم شقيقة الأب أنطون بوزو وابنة أخيه. هذا ولم يستطع فرسان القبر المقدس من سويسرا الحضور وكذلك فريقان من فرسان القبر المقدس الأمريكان، وقد كان افتتاح الكنيسة ومباركتها يوم السبت 27/9/1976 بالرغم من عدم الاستعداد الكامل، حيث اضطر الأب انطون إلى عمل الساحة بصورة مستعجلة، وكانت درجات الكنيسة الأربعة عشر قد جهّزت في نفس الأسبوع، وكان العمل جارياً في إزالة بقايا الردم الناتج عن الكنيسة القديمة.

بقي أن نذكر أن تاريخ تدشين الكنيسة، أي 27 أيلول، جاء مطابقاً لتاريخ اعلان استقلال المكسيك عن الاسبان وتحريرهم من العبودية سنة 1821.

 

التحضيرات للاحتفال

 

لم يقصّر الأب أنطون في التحضير للاحتفال، فقد بذل جهوداً مضنية وتعاون الجميع معه في ذلك، فشكّل لجاناً، وأوكل لكل لجنة مهمّة معينة، فقامت هذه اللجان بأدوارها بشكل دقيق وكامل. وكان في مقدمة الذين بذلوا جهداً كبيراً الأب إبراهيم حجازين والأب الفرد عطية، الذي أشرف على تحضير التراتيل الدينية بمساعدة راهبات الوردية، وقد كان يُطلق عليه اسم موسيقار البطريركية. أما الراهبات اللواتي كن يخدمن بيرزيت في ذلك التاريخ، وأشرفن على الاحتفالات هذه فكنّ الأخت ماري أنج المعلّم من عيلبون، والأخت جاكلين الريّان من مادبا، والأخت داريا النمري من الحصن. وقد قدّمت راهبات جفنا وعابود والطيبة المساعدة أيضا.

 

الاحتفال

 

عُيّنت حفلة مباركة الكنيسة في الساعة التاسعة صباحاً من يوم السبت 27 أيلول. وقد حضر السيد زيادة يعقوب، وأعضاء مجلس بلدية بيرزيت، وشخصيات البلدة قبل بدء الاحتفال، وتوجّه الجميع لاستقبال البطريرك على طريق الطيبة، قرب البالوع، واصطحبوه حتى مدخل بيرزيت، وكان بانتظارهم أعداد كبيرة من السكّان، والحجاج الأجانب، الذين أتوا من القدس، وقد حضر مع البطريرك كاهنان من بلدة بيرزيت، وهما الأب سليمان سمندر، مدير مدارس البطريركية آنذاك، والأب منويل مسلّم، كاهن رعية الزبابدة آنذاك، وكان يسبق الموكب فرقة الساليزيان الموسيقية النحاسية، وقد اخترق الموكب البلدة حتى وصل إلى مشارف الكنيسة.

 

مباركة الكنيسة وتكريس الهيكل

 

بدأ البطريرك حفل افتتاح الكنيسة الجديدة في بيرزيت بمباركة الحائط الجنوبي الخارجي للكنيسة ثم اندفع الجميع إلى داخل الكنيسة مأخوذين بجمالها العمراني، وكان الجمهور يملأ الكنيسة من الداخل، بالإضافة إلى مدخلها الخارجي، وقد انتظم المرتلون والراهبات بقيادة الأب ألفرد عطية (كاهن رعية جفنا آنذاك) ومعه جوقة السمينير بقيادة الأب ميراند. وكانت الشخصيات تجلس في الصفوف الأمامية، ومن بينهم كويبن مطران الأنجليكان في القدس مع حاشيته، والسير وليم دويل رئيس فرسان القبر المقدس في الولايات المتحدة، والسير باروسو شافيز رئيس فرسان القبر المقدس في المكسيك. وكانت تجلس خلفهم مجموعة من سيدات القبر المقدس وأربع فرق من الحجاج الأجانب. وقد أخذ المونسينيور أرتيكو والمنسينيور مازاروتو أماكنهم مع المحتفلين. ثم من الجهة اليسرى للمقاعد الأولى كانت تجلس الدكتورة يوهانان مسثور سفيرة النمسا، والسيد لورنس كوفمان القائم بالأعمال السويسري، والدكتور هلمت روك رايغل القائم بالأعمال الألماني، ومجموعة رؤساء البلديات الذين لبوا دعوة الأب أنطون، وهم: السيد زيادة يعقوب، رئيس بلدية بيرزيت ومجلس بلديته، السيد كريم خلف، رئيس بلدية رام الله، السيد أحمد درويش، رئيس بلدية البيرة، السيد فرح الأعرج، رئيس بلدية بيت جالا، السيد الياس فريج، رئيس بلدية بيت لحم، السيد جريس الطويل، رئيس بلدية بيت ساحور، السيد أنطون زغلول، رئيس مجلس قروي جفنا، السيد بطرس إبراهيم، مختار عابود، السيد بطرس مصيص، رئيس مجلس قروي الطيبة.

 

التكريس

 

قام البطريرك مع بدء الاحتفال بتكريس الجدران الداخلية للكنيسة، وانطلقت الترانيم الدينية، وقد كان الأستاذ أغسطين لاما، عازف كنيسة القبر المقدس هو الذي يعزف على الأورغ بكل احتراف مشهود له. وقبل أن يبدأ البطريرك بتكريس المذبح، بدأ خطابه باللغة العربية فهنّأ جمهور المؤمنين، وتوجه بالشكر للذين ساهموا وتبرعوا بسخاء من الحاضرين والغائبين من أجل تحقيق هذا المشروع الفخم، بفضل سهر وعناية ومتابعة الأب أنطون بوزو، وذكر بعد ذلك كيف أن الكنيسة هي المكان المفضل للقائنا مع الله والمؤمنين في ظل القربان الأقدس والذبيحة الإلهية.

بارك غبطة البطريرك بعد ذلك المذبح ومدخل الكنيسة، وقد استغرق التكريس وقتاً طويلاً، رغم أن نمط الصلوات كان مختصراً. وبعد ذلك استُكمل الاحتفال بالقداس الإلهي، وقد سُمّيت الكنيسة على اسم العذراء سيدة غوادالوبّة. أما ترانيم القداس فقد تمّت باللاتينية، والقراءات باللغة العربية والإيطالية والإسبانية، والإنجيل المقدس باللغة الإنجليزية وقد تلاه المونسينيور ماهو. وقد شارك في المناولة عدد كبير من المؤمنين والحضور الأجانب، ثم انتهى الاحتفال الليتورجي الرائع بعد أن استمر مدة ثلاث ساعات.

 

حفلة الاستقبال

 

تم ترتيب حفل استقبال للمحتفلين جميعاًً، في قاعة الرعية التي تقع تحت الكنيسة، وذلك لمدة ساعتين، استهلّه الأب أنطون بكلمة، أعرب فيها عن امتنانه العميق لكافة المحسنين، الحاضرين منهم والغائبين، وقد تُليت كلمته هذه باللغات العربية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية والفرنسية، ولم ينسى أحداً، وكانت فرقة السالزيان الموسيقية النحاسية تعزف الألحان الجميلة من حين لآخر.

 

خاتمة الاحتفالات

 

بعد كل ما جرى من احتفالات واستقبالات وخطابات وموسيقى ودبكات شعبية، وجد الحضور وقتاً كافياً بعد ظهر ذلك اليوم للمشاركة في الولائم التي قُدمت، وقد تبرّع بها أبناء الرعية بالإضافة إلى أبناء الكنيسة الأرثوذكسية وأبناء البلدة المسلمين، وقام بتحضير المأكولات راهبات الوردية وراهبات أبو ديس وراهبات القديسة دوروثيا، حيث كان وجود الراهبات مهماً لأن الأب أنطون كان قد دعا ما يزيد على الـ 600 شخص لهذه الولائم. وفي تمام الساعة الرابعة من بعد الظهر غادر المدعوّون من الشخصيات البلدة، بينما انطلقت أربع حافلات تحمل الحجاج الأجانب نحو القدس وجبل طابور. ونتيجة لهذه الاحتفالات نشأت علاقات أخوية، ومحبة نابعة من القلب ومليئة بالفرح بين الحضور، الضيوف منهم وأهل البلدة، إذ كنا نرى الناس مجتمعين مع بعضهم البعض في ساحة الكنيسة الجديدة، وكنا نرى في أعلى واجهة الكنيسة الجديدة رسم العذراء بالفسيفساء، وهي تقدمة من المونسينيور أغويلار، وكأن العذراء سيدة غوادالوبّة تجمع حولها وتحتضن أبناءها من مختلف بلدان العالم بمناسبة حفل التدشين هذا. وكان لم يزل قائما جزء من حنية الكنيسة القديمة، وهنالك بعض من رسوماتها ظاهرة للعيان، إلا أن التباين كان واضح المعالم بين هذه الكنيسة القديمة الصغيرة ذات المائة عام ونيّف (1865) وعظمة الكنيسة الجديدة المبنية جميعها من الحجر الجميل، إلا أن دعائم الجرسية التي كنا نلاحظها على الجانب الأيمن للكنيسة الجديدة، ورافعات مواد البناء على الجانب الأيسر منها، كانت تذكّر الجميع بأن العمل لم ينته بعد، ولم تتبدد بالتالي هموم كاهن الرعية، بالإضافة إلى أن التزامات النفوس الخيرة نحو الكنيسة لم ينضب معينها. وقد كانت هذه الأعجوبة التي حققتها سيدة غوادالوبّة في بيرزيت، ونجاح حفلة التدشين بحضور العديد من الأصدقاء الخيّرين، ضمانة أكيدة لإمكانية إتمام هذا المشروع الرائع. وقد تم بالفعل بفضل جهود الأب أنطون وتبرعات أهل الخير.