مدينة بيرزيت
رعية اللاتين
عذراء غوادالوبة
مواضيع روحية ومتنوعة
روابط
المرسلون الاثنا عشر ووصايا يسوع لهم أ.د.لويس حزبون
إن كان أهل وطن يسوع قد رفضوه، فهذا الرفض لم يقف حائلاً أمام محبة يسوع نحوهم ومحبته نحو البشرية، بل دعا يسوع في البداية تلاميذه "الَّذينَ أَرادَهم هو فأَقبلوا إِلَيه. فأَقامَ مِنهُمُ اثنَي عَشَرَ رسولا لِكَي يَصحَبوه، فيُرسِلُهم يُبَشِّرون (مرقس 3: 13-14)، وانجيل اليوم يُبين وصايا يسوع للاثني عشر لدى ارسالهم الاول للتبشير بالإنجيل (مرقس 6: 7-12)؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته. أولاً: تحليل وقائع النص الإنجيلي (مرقس 6: 7-12) 7 ودَعا الآثَنيْ عَشَر وأَخَذَ يُرسِلُهُمُ اثنَينِ اثنَينِ ، وأَولاهُم سُلْطاناً على الأَرواحِ النَّجِسَة تشير عبارة "دَعا "الى نداء يسوع الى الاثني عشر ليصحبوه وليكونوا معه ويشاركونه في نشاطه، ويستفيدون من تعليمه بواسطة الأمثال، ويشاهدون عجائبه (مرقس 3: 13-19). أمَّا عبارة "أَخَذَ يُرسِلُهُمُ" فتشير الى رسالة الاثني عشر الى الجموع شفقة عليهم كما رواها متى الإنجيلي " رأَى يسوع الجُموعَ فأَخذَته الشَّفَقَةُ علَيهم، لأَنَّهم كانوا تَعِبينَ رازِحين، كَغَنَمٍ لا راعيَ لها " (متى 9: 35-38)، تلك الشفقة دفعت يسوع الى إقامة هؤلاء الاثني عشر لرسالة التبشير. أمَّا عبارة الآثَنيْ عَشَر" فتشير الى احدى الطرق لتسمية تلاميذ يسوع الأولين. وأمَّا الطريقة الاخرى فهي "الرسل" (مرقس 6:30). والرسول هو المرسل المفوّض (متى 10: 40). وأمَّا العدد 12 فيناسب عدد اسباط اسرائيل الاثني عشر (متى 19: 28). ويدل الرقم (12) ايضا على الكمال وبالتالي على البلاد كلها وعلى الكنيسة كلها. وأمَّا رسل يسوع الآثَنيْ عَشَر فهم (لوقا 6: 14- 16): سمعان بطرس ابن يونا وهو صياد من بيت صيدا، سمّاه يسوع "صخرة" ليجعله صيادا للناس؛ ويعقوب بن زبدى وهو أول تلميذ استشهد على يد هيرودس أغريبا (اعمال الرسل 12: 1)؛ ويوحنا أخو يعقوب، ابن زبدى صياد من بيت صيدا وأطلق يسوع عليه وعلى أخيه يعقوب "ابني الرعد". وهو التلميذ الذي كان يسوع يحبه. واوصاه ان يعتني بأمِّه مريم بعد موته لان سالومة، ام يوحنا، هي اخت مريم ام يسوع (يوحنا 19: 15)؛ وأندراوس اخو بطرس صياد من بيت صيدا في الجليل وهو أول رسول دعاه يسوع وكان قبل ذلك تلميذاً ليوحنا المعمدان وقد أخبر بطرس عن يسوع؛ وفيليبس وهو صياد من بيت صيدا في الجليل أخبر نتنائيل عن يسوع ؛ برتلماوس (نثنائيل) من قانا الجليل وهو صياد وصديق فِيلُبُّسُ؛ وقد رفض يسوع لأنه من الناصرة ولكنه عندما قابله اعترف بانه ابن الله فقال عنه يسوع انه رجل اسرائيلي لا غش فيه؛ ومتّى (لاوي) من كفرناحوم وكان عشارا، جابي ضرائب، دعاه يسوع ليكون تلميذا فكتب بإرشاد الروح القدس إنجيل متى؛ وتوما كان يقال له التَّوأم أيضاً حيث أن اسمه مشتق من الآرامية "توماس" الذي يعنى التَّوأم، وهو الذي أبى ان يؤمن بأن يسوع قام إذا لم يراه حياً ويلمس جراحه؛ ويعقوب بن حلفى المعروف بيَعْقُوبَ الصَّغِيرِ؛ ويهوذا بن يعقوب الملقب تدّاوس وهو الذي سأل يسوع لماذا سيظهر نفسه لأتباعه وليس للعالم؛ وسمعان ولقبه "القانوي" هي لفظة عبرية (כנה) لكلمة الغيور، وقد صار تلميذا ليسوع؛ وبحسب القديس ايرونيموس وآخرون فإنَّ هذا الرسول من قرية قانا الجليل. واخيراً يهوذا الإسخريوطي صار تلميذا ليسوع دعاه يسوع شيطانا وقال إنه سيسلمه، وفي الواقع خان يسوع بثلاثين من الفضة ثم قتل نفسه. وقد تمّ استبداله بمتياس أو متيَّا (اعمال الرسل 1: 26). أمَّا عبارة "أَخَذَ يُرسِلُهُمُ" فتشير الى تبشير الرسل بالرسالة، وهي العيش مع يسوع ثم الذهاب الى جميع انحاء العالم للتبشير بالإنجيل. أمَّا عبارة "اثنَينِ اثنَين" فتشير الى ان الشهادة لا تصح الا بشاهدين (تثنية الاشتراع 17: 6) كما تدل على الشركة، وربما ايضا من أجل الأمان حيث ان الواحد يستطيع ان يسند الآخر إذا سقط كما يقول سفر الجامعة "إِذا سَقَطَ أحَدُهما أَنهَضَه صاحِبُه والوَيلُ لِمَن هو وَحدَه فسَقَط إذ لَيسَ هُناكَ آخر يُنهِضُه" (جامعة 4: 10). وعليه فان إحدى فوائد ذهاب المرسلين اثنين إثنين ليعملا كفريق، وان يستطيع كل منهما ان يشدّد ويشجع الآخر، خاصة عندما يواجَهان بالرفض. ويعلق البابا غريغوريوس الكبير" أرسل الرب تلاميذه للكرازة اثنين اثنين، لوجود وصيتين عن المحبة: محبة الله ومحبة قريبنا، والمحبة لا يمكن أن تقوم بين أقل من اثنين. بهذا أعلن لنا يسوع أن من ليس له محبة نحو قريبه لا يمكنه قبول عمل الكرازة بأية وسيلة ". والكنيسة لا تعمل وحدها، بل في مجموعة. هذه هي مشيئة يسوع. وهكذا ذهب برنابا مع بولس ثم سيلا مع بولس. أو أحدهما يعظ والآخر يصلى. أمَّا عبارة "أَولاهُم سُلْطاناً على الأَرواحِ النَّجِسَة" فتشير الى سلطة الرسل على قوى الشر، والشر هو عدو الخير الذي قد يملك على قلب الإنسان. فالحاجة ملحة للسلطان ضد هذا العدو. ليست ثمة عداوة بين التلاميذ وأي إنسان مهما كان شريرًا أو مقاومًا، إنما العداوة ضد عدو الخير نفسه الذي يخدع القلوب ويحوّلها لحسابه. 8 أوصاهُم أَلاَّ يَأخُذُوا لِلطَّريقِ شَيئاً سِوى عَصاً: لا خُبزاً ولا مِزوَداً ولا نَقداً مِن نُحاسٍ في زُنَّارِهم: تشير "أوصاهُم" الى امر يسوع رسله باستخدام الوسائل التي يضعها في تصرّفهم كي يستطيعوا أن يكونوا رسلاً. وأمَّا كلمة "عصا" فتشير الى رمز السلطة (الصولجان) او الدفاع عن النفس (سلاح)، وتدل أيضا على الحماية من العدو. لكنها هنا تشير الى عصا الحجاج الذي يساعد المرسل في مسيرته بسرعة حيث يتكئ عليها في الطريق، أو يستخدمها للدفاع عن نفسه حتى ضد الكلاب التي تجول في القرى والحقول (خروج 7:11). وهي إشارة الى الاتكال على السيد المسيح في كل شيء. وينفرد انجيل مرقس في ذكر "العصا"، حيث لا ذكر " للعصا " و " النعال" في انجيل متى (متى 10: 10، وانجيل لوقا (لوقا 9: 3)؛ إذ إن الكنيسة تكيَّفت مع أقوال يسوع عن أوضاع المرسلين الجديدة خارج فلسطين، لأن العصا والنعال يعتبران من الأمور الضرورية، دون مخالفة الفقر. أمَّا عبارة "مِزوَداً" فتشير الى كيس صغير يضع اليهود فيه الطعام لحفظه أثناء سفرهم. أمَّا عبارة "نُحاسٍ في زُنَّارِهم" فتشير الى النقود التي كانت من الذهب والفضة والنحاس. وأعتاد اليهود أن يحملوا العملات الصغيرة في منطقة أي ثنية في رداء المنطقة تستعمل كما نستعمل الجيوب الآن. والمنطقة تُربط على القميص والرداء معًا. إنه يمنعهم من قليل القليل. أمَّا عبارة "لا خُبزاً ولا مِزوَداً ولا نَقداً مِن نُحاسٍ في زُنَّارِهم" فتشير الى عدم اعتماد الرسل على القدرات والموارد البشرية والضمانات البشرية، أنما على ضيافة من يستقبلهم. المرسلون أنما يعيشون روح الفقر وثقتهم بالله الذي يعولهم ويهتم بهم. ويعلق القديس أمبروسيوس"يُظهر الإنجيل صفات الكارز بملكوت الله... فإنه إذ لا يطلب عونًا من موارد هذا العالم ويسلم نفسه للإيمان، يدرك أنه كلما ترك طلب خيرات الأرض ازدادت بالنسبة له". اوصاهم الرب الا يأخذوا لا خبزا ونقودا ليكون نفسه هو طعامهم وشرابهم وغناهم. 9 لِيَشُدُّوا النِّعالَ على أَقْدامِهم، ولا تَلبَسوا قميصَين": تشير عبارة "النِّعالَ" الى الصندل. لعل هذه الوصية تشير إلى التحرك المستمر والوعظ غير المنقطع، حيث يكون المرسل سائرًا بنعليه بغير توقف. ورد ذكر النعال والعصا في إنجيل مرقس وذلك لضرورتهما خارج فلسطين، في حين ان متى الانجيلي (متى 10:10) ولوقا (لوقا 9: 3) لم يذكرا العصا والنعال نظراً لعدم الحاجة لهما داخل فلسطين. فالكنيسة كيَّفت أقوال يسوع على أوضاع المرسلين الجديدة خارج فلسطين، حيث العصا والنعال قد تكون أمورا ضرورية، دون مخالفة الفقر. أمَّا عبارة "لا تَلبَسوا قميصَين" فتشير الى حاجة المرسل الى ثوب واحد يقيئه من برد الليل. والثوب هو الرداء الخارجي وهو مماثل للعباءة الرومانية. إذ اعتاد اليهودي أن يلبس القميص أو اللباس الداخلي والرداء الخارجي أو عباءة أو شملة، يرتديها في النهار ويتغطى بها ليلًا. والمنطقة تربط على القميص والرداء معًا. واللباس للرأس، أي عمامة بيضاء أو زرقاء أو سوداء. والاكتفاء بقميص واحد دلالة على الثقة التامة بالرب. حيث قال يسوع في خطبة الجبل "فلا تَهْتَمُّوا فَتقولوا: ماذا نَأكُل؟ أو ماذا نَشرَب؟ أو ماذا نَلبَس؟ فهذا كُلُّه يَسْعى إِلَيه الوَثَنِيُّون، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَعلَمُ أَنَّكم تَحْتاجونَ إِلى هذا كُلِّه" (متى6: 25-35). فلا غنى لهم الاَّ يسوع. يريد يسوع مرسلين زاهدين في العالم "ها قد تَركْنا نَحنُ كُلَّ شَيءٍ وتَبِعناكَ (مرقس 10: 28). وهذا التجرد هو النتيجة المنطقية لقرار إتِّباع يسوع والتكرّس للإنجيل. ومن هذا المنطلق نستنتج ان المرسلون يُبشرون بملكوت الله قبل كل شيء بأسلوب حياتهم. 10-وقالَ لَهم: وحيثُما دَخَلتُم بَيتاً، فأَقيموا فيه إِلى أَن تَرحَلوا تشير عبارة " وقالَ لَهم" الى الانتقال من الأسلوب غير المباشر الى الأسلوب المباشر. أمَّا عبارة "حيثُما دَخَلتُم بَيتاً" فتشير الى الكلام عن واجب الضيافة للمُرسل، وعلى المرسلين ان يعتمدوا على عطايا وكرم اهل البيت الذين قدَّموا الكرازة لهم؛ فبصفتهم رسل المسيح هم مستحقون إعالة الشعب اياهم، كما جاء في تصريح متى الإنجيلي "لأَنَّ العامِلَ يَستَحِقُّ طَعامَه" (متى 10: 10)؛ فقد كان للربانيين حقٌ في العيش من عطايا تلاميذهم في اوضاع معينة كما يؤكد بولس الرسول "إِنَّ العامِلَ يَستَحِقُّ أُجرتَه" (1 طيموتاوس 5: 18). تشير تعليمات يسوع الى اقامة المرسلين في بيت معين واتخاذه كمركز اشعاع ومنه ينتقلوا من بيت الى بيت (لوقا 10:7). 11 وإِن لم يَقبَلْكُم مَكانٌ ولم يَستَمِعْ فيه النَّاسُ إِليكم، فارحَلوا عنهُ نافِضينَ الغُبارَ مِن تَحتِ أَقدامِكم شَهادَةً علَيهم تشير عبارة "وإِن لم يَقبَلْكُم مَكانٌ ولم يَستَمِعْ فيه النَّاسُ إِليكم" الى احتمال رفض الناس لاستقبال التلاميذ بل معارضتهم (متى 1: 5-16). لقد واجه يسوع الحالة التي لم يُستقبل فيها (مرقس 6: 1-6). إن الرسالة ليس أمرا سهلا. أمَّا عبارة "نافِضينَ الغُبارَ مِن تَحتِ أَقدامِكم" فتشير الى عمل رمزي للرفض وقطع العلاقات والدينونة. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في هذا التصرف "علامة مرعبة، تجعل التلاميذ لا يفقدون جراءتهم بل يزدادون شجاعة، فإنهم يعلنون أنهم ينفضون كل ما هو مادي، يتركون لهم ترابهم وفكرهم الأرضي، ليعيشوا ملتصقين بما هو سماوي". وهذا ما فعله الرسولان بولس وبرنابا في انطاكية بسيديه (اعمال الرسل 13: 51). أمَّا من تقبل المرسل فحّل السلام عليه. ولكن إذا لم يتقبله يكون موقف المرسل سلبياً؛ ينفض الغبار عن أقدامه وهذا يعني انه لا يريد ان يأخذ معه شيئا من هذه البيت الذي لم يكن اهلا لقبول تقبل الانجيل، فيقطع العلاقة معه ويحل الحرم. كان اليهود الاتقياء ينفضون التراب عن أقدامهم بعد مرورهم بمدن الأمم الوثنية تعبيراً عن انفصالهم عن التأثيرات والممارسات الأممية. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم" بأن هذا الفكر يقوم على ما اعتاد اليهود قديمًا حينما كانوا ينطلقون خارج فلسطين، ففي عودتهم إليها ثانية ينفضون الغبار قبيل دخولهم الأرض المقدسة، ليعلنوا أنهم عادوا إلى أرض الموعد، لا يحملون دنس العالم الوثني وترابه، بل هم بالحق محبون للقداسة". وعندما كان التلاميذ ينفضون التراب عن اقدامهم بعد مغادرتهم مدينة يهودية، كان ذلك دليلاً قوياً على ان الناس قد رفضوا يسوع ورسالته. وبما انَّ البيت لم يقبل يسوع، فستكون دينونته كدينونة المدن التي رفضت كلمة الله. "الحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَرضَ سَدومَ وعَمورة سَيكونُ مَصيرُها يَومَ الدَّينونةِ أَخفَّ وَطأَةً مِن مَصيرِ تِلكَ المَدينة" (متى 11: 24). فمسؤولية التلاميذ تكمن في إيصال رسالة خلاص المسيح بأمانة للآخرين، ولا لوم عليهم إذ رُفضت. أمَّا عبارة "شَهادَةً علَيهم" فتدل على شهادة ذات قيمة قضائية يُدلى بها على أحد الاشخاص (مرقس 6: 11) او امامه او شهادة لديهم (مرقس 13: 9). يبدو ان هذه الشهادة تكون للتأييد او الاتهام وفقا لكيفية قبولها. كما قبل الناس يسوع بالرفض والكفر، هكذا سيقابلون تلاميذه. 12 فمَضَوا يَدْعونَ النَّاسَ إِلى التَّوبَة تشير عبارة "التَّوبَة" الى تغيير التفكير والاتجاه، وبالتالي السلوك أي تغيير القلب والعمل. وهي أول مهمة تفرضها ارسالية يسوع في سبيل مجيء ملكوت الله وهي إعلان التوبة كما أعلنها يسوع: "تَمَّ الزَّمانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكوتُ الله. فَتوبوا وآمِنوا بِالبِشارة" (مرقس 1: 15). وهذه المهمة تقتضي ضرورة الارتداد وتغيير الحياة. 13 وطرَدوا كَثيراً مِنَ الشَّياطين، ومَسَحوا بِالزَّيْتِ كَثيراً مِنَ المَرْضى فَشَفَوْهم تشير عبارة "طرَدوا كَثيراً مِنَ الشَّياطين" الى المهمة الثانية التي تفرضها ارسالية يسوع في سبيل مجيء ملكوت الله. وتقوم هذه المهمة على مقاومة قوى الشر كي يعيش الناس في سلام بعضهم مع بعض لان الشيطان يضع الفساد بين الناس والعداوة. أمَّا عبارة "مَسَحوا بِالزَّيْتِ كَثيراً مِنَ المَرْضى فَشَفَوْهم فتشير الى المهمة الثالثة التي تفرضها ارسالية يسوع، وهي شفاء المرضى وتحسين نمط الحياة. ويخضع طرد الشياطين وشفاء المرضى لسلطان يسوع. فالمرض دليل لسيطرة الشيطان والخطيئة، والشفاء دليل الانتصار على الشيطان (متى 17:18). فكرازة الانجيل لا توجّه الى الروح والعقل فحسب، إنما أيضا الى الجسد وصعوبات الحياة البشرية. أمَّا عبارة "مَسَحوا بِالزَّيْتِ" فلا تشير الى المعالجة الطبية لتخفيف الالم عن الجروح (لوقا 10: 34)، بل تشير الى عمل له قوة عجائبية، شأن اللمس او وضع اليدين (مرقس 5: 21-43). وهذه الوصية تكلم عنها يعقوب الرسول "هل فيكُم مَريض؟ فلْيَدْعُ شُيوخَ الكَنيسة، ولِيُصَلُّوا عليه بَعدَ أَن يَمسَحوه بِالزَّيتِ بِاسمِ الرَّبّ"(يعقوب 5: 14). فقد قال غالينوس الطبيب الإغريقي المشهور "إنّ الزيت هو أفضل الأدوية للجسد المتألّم، ولكن الزيت في يد مرسل المسيح وتلميذه يُساعد في شفاء الجسد ولكن مع هذا الشفاء يُعطي الروح القدس شفاء الروح. وباختصار، إنَّ الدعوة الى التوبة وطرد الشياطين وشفاء المرضى هي العلامات الثلاثة للملكوت السماوي. لقد تمم التلاميذ الإرسالية بنجاح. وكان محور كرازتهم التوبة الصادقة النابعة عن الإيمان بالسيد المسيح الذي يملك في القلب، أمَّا ثمر هذه الكرازة فهو شفاء النفس والجسد. تُشفى النفس بإخراج الشياطين، ويُشفى الجسد بموهبة الشفاء خلال الدهن بالزيت. ومن هنا، تتميز رسالة يسوع في انجيل مرقس بعملين: الكرازة وطرد الشياطين وشفاء المرضى. ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 6: 7-12) بعد دراسة وقائع النص الانجيلي (مرقس 6: 7-12) يمكننا ان نستنتج انه يتمحور حول موضوع الارسالية لنشر الانجيل المقدس مُبيِّنا مفهوم المرسل، ويسوع كنموذج للمرسل او الرسول والتلاميذ الاثني عشر المرسلين ومهامهم ووسائل خدمتهم. 1) مفهوم المرسل او الرسول ان كلمة "رسول" في العهد الجديد مشتقة من الكلمة اليونانية " ἀπόστολος ومعناها "رسول، مرسل، مبعوث". وقد وردت كلمة "رسول" أو رسل (68) مرة في أسفار العهد الجديد، وفي معظم هذه المرات، تشير إلى أشخاص دعاهم المسيح بخدمة معينة في الكنيسة. إننا نجد في بعض الديانات غير المسيحية فكرة الإرسال الإلهي. يصوّر أبيكتيت الفيلسوف نفسه "مرسل الآلهة، ووصيّهم، وداعيتهم"، و"نذير الإله، وكمثال يحتذى به" لكي يحيي عند الناس، تعليمه وشهادته، فاعتقد أنه تسلَّم رسالته هذه من السماء. ولكن في الكتاب المقدس، يرتبط الإرسال الإلهي بتاريخ الخلاص، والارسال يفرض دعوة وتلبية. فالدعوة هي نداء من الله " فإنَّكَ لِكلِّ ما أُرسِلُكَ لَه تَذهَب وكُلَّ ما آمُرُكَ بِه تَقول" (إرميا 1: 7)، وكل دعوة تتطلب تلبية الانسان. " هاءَنذا فأَرسِلْني " (إشعيا 6: 8). فالنبي مثلا هو مرسلاً من قبل الله بصفته رسولاً (اشعيا 41: 9). وهذا ما يتطبق على المسيح خاصة وعلى تلاميذه الاثني عشر عامة. اختار السيد تلاميذه (مرقس 3: 34) وعاينوا أعماله العجيبة (مرقس 4: 35، 6: 6)، بعد أن عاشوا معه شاركوه حياته، والآن إذ يرسلهم يهبهم سلطانًا على الأرواح النجسة. فلا يكفي سماع الكلمة ولا مشاهدة أعماله ولا الوجود معه وملازمته إنما الحاجة أيضًا ملحة لتمتعهم بسلطان لهدم مملكة الشر وإقامة مملكة النور. وفي الكنيسة الأولى، لم تكن فكرة الرسول قاصرة على الاثني عشر أو الثلاثة عشر، فهناك بولس الرسول (رومة 1:1). لم يستوفِ كل الشروط التي توهله ليكون رسولا، لكنه كان شاهداً للقيامة كما قال له يسوع "ظَهَرتُ لَكَ لأَجعَلَ مِنكَ خادِمًا وشاهِدًا لِهذِه الرُّؤْيا الَّتي رَأَيتَني فيها، ولِغَيرِها مِنَ الرُّؤَى الَّتي سأَظهَرُ لكَ فيها" (أعمال 26: 16–18)، ويعقوب البار كان يعتبر رسولاً لأنه رأى المسيح القائم من بين الاموات "َتَراءَى لِيَعْقوب (1 قورنتس 15: 7)، وبرنابا (اعمال الرسل 14: 4)، ويمكن اعتبار سِلْوانُسَ وطيموتاوُس رسولين (1 تسالونيقي 2: 6)، وكذلك أَندَرونيقُس ويُونِياس (رومة 16: 7) وأَبُلُّسَ (1 قورنتس 4: 6). واستخدمت كلمة رسول في الإشارة إلى مبعوثين من الكنائس (2 قورنتس 8: 23) كما استخدمت للدلالة على الذين أرسلهم الله إلى شعبه قديما، إذ "قالَت حِكمَةُ الله: سأُرسِلُ إِليهِمِ الأَنبِياءَ والرُّسُل، وسيقتُلونَ مِنهُم ويَضطَهِدون" (لوقا 11: 49). 2) المسيح نموذج المرسلين او الرسل استخدمت كلمة "رسول" في العهد الجديد عن يسوع نفسه " تَأَمَّلوا رَسولَ شَهادَتِنا وعَظيمَ كَهَنَتِها يَسوع " (عبرانيين 3: 1)، "ونَشهَد أَنَّ الآبَ أَرسلَ ابنَه مُخَلِّصًا لِلعالَم"(1يوحنا 4: 14)، فهو مرسل من الله الآب. ويَذكر إنجيل يوحنا أن "الآب أرسل المسيح" (يوحنا 7: 28) "كَفَّارةً لِخَطايانا" (1 يوحنا 4: 10)، وليكون "الوَسيطَ الواحد والحقيقيّ بَينَ اللهِ والنَّاسِ"(1 طيموتاوس 2: 5)، "ليتكلم بكلام الله" (يوحنا 3: 34) "وليعمل أعمال الله" (يوحنا 5: 36) ويتمم مشيئة الله (يوحنا 6: 38)، وليعلن الله (يوحنا 5: 37–47) وليعطي حياة أبدية (يوحنا 17: 2). وقد تنبأ الانبياء عن المسيح انه المرسل: "ليكون عَهداً لِلشَّعبِ ونوراً لِلأُمَم" (اشعيا 42: 6)، وانَّه مبشر المساكين "أَرسَلَني لِأُبشِّرَ الفُقَراء وأَجبُرَ مُنكَسِري القُلوب وأُنادِيَ بِإِفْراجٍ عنَ المَسبِيِّين وبتَخلِيَةٍ لِلمَأسورين (اشعيا 61: 1) ويُهيئ الطريق أمام الرب (ملاخي 3: 1)، ويكشف عن مجد الله أمام إخوتهم من الأمم (اشعيا 66: 18- 19).، وينفّذ مقاصده في هذه الدنيا (اشعيا 55: 11)، ويرسل "حكمته" حتى تساعد الإنسان في جهوده (حكمة 9: 10)، ويُرسل روحه حتى يُجدِّد وجه الأرض (مزمور 104، 3) ويُعرّف الناس إرادته (حكمة 9: 17). ويتقدم يسوع المسيح، إلى الناس، باعتباره المرسل من الله بكل معنى الكلمة، ذاك الذي تحدث عنه اشعيا (اشعيا 61: 1- 2). قد أرسل ابن الإنسان "ليبشّر بالإنجيل" (مرقس 1: 38) وليُكمِّل الشريعة والأنبياء (متى 5: 17)، وليُلقي ناراً على الأرض (لوقا 12: 49)، لا ليُحل سلاماً بل سيفاً (متى 10: 34)، لا ليدعو الأبرار، بل الخاطئين (مرقس 2: 17)، وليبحث عن الهالك فيخلّصه (لوقا 19: 10)، "ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس" (مرقس 10: 45). ويطالب يسوع من الناس ان يؤمنوا أنّه مرسل من الآب كما حدث لدى احياء لعازر "لكِنِّي قُلتُ هذا مِن أَجْلِ الجَمْعِ المُحيطِ بي لِكَي يُؤمِنوا أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني" (يوحنا 11: 42). وهذا ما يتضمن في الوقت نفسه الإيمان بالابن على أنه المرسل كما جاء في قول يسوع لدى تكلمه على خبز الحياة "عَمَلُ اللهِ أَن تُؤمِنوا بِمَن أَرسَل" (يوحنا 6: 29). أمَّا هدف ارساليه يسوع الى العالم فقد أوضحها الرسل في كتاباتهم. لقد أرسل الله ابنه في ملء الزمن ليفتدينا ويمنحنا التبني كما جاء في رسالة بولس الرسول "لَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي" (غلاطية 4: 4). أرسل الله ابنه إلى العالم مخلصاً وكفارة عن خطايانا، حتى نحيا به: ذلك هو الدليل الأسمى لمحبته لنا كما جاء في رسالة يوحنا الرسول "ما ظَهَرَت بِه مَحبَّةُ اللهِ بَينَنا هو أَنَّ اللهَ أَرسَلَ ابنَه الوَحيدَ إِلى العالَم لِنَحْيا بِه" (1 يوحنا 4: 9). ويصبح يسوع هكذا المرسل الحقيقي بالمعنى الكامل " اِذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ، أَي الرَّسول (يوحنا 9: 7)، لذا يناشدنا صاحب رسالة العبرانيين بقوله" تَأَمَّلوا رَسولَ شَهادَتِنا وعَظيمَ كَهَنَتِها يَسوع" (عبرانيين 3: 1). وكل رسول بعد ذلك، إنما هو مرسل من يسوع المسيح (يوحنا 20: 21–23). 3) الاثني عشر المرسلون او الرسل في أثناء خدمة يسوع التبشيرية ازداد عدد تلاميذه بشكل ملموس، لكنهم لم يكونوا جميعهم رسلاً، حيث قام يسوع باختيار الاثني عشر من بين عدد كبير من أجل ان يكونوا معه “دعا تَلاميذَه، فاختارَ مِنهُمُ اثَنيْ عَشَرَ سَمَّاهم رُسُلاً وهم: سِمْعان وسَمَّاه بُطرُس، وأَندَراوُس أخوه، ويَعقوبُ ويوحَنَّا، وفيلِبُّسُ وبَرْتُلُماوُس، ومَتَّى وتوما، ويَعقوبُ بْنُ حَلْفى وسِمْعانُ الَّذي يُقالُ لَه الغَيور، ويَهوذا بْنُ يَعقوبَ ويَهوذا الإِسخَرْيوطِيُّ الَّذي انقَلَبَ خائِناً." (لوقا 6: 13–16). وقد دُوِّنت أسماءهم كل اثنين معًا. لم يكن هذا مجرد أسلوب كتابي، لكنه جمع الأخ مع الأخ والصديق مع الصديق للعمل معًا. وكان لأولئك الرسل أن يعملوا باسم المسيح (مرقس 9: 38–41). وقد اختار في أثناء خدمته هنا أثني عشر رسولاً على عدد أسباط إسرائيل الاثني عشر (متى 19: 28). ويذكرهم لوقا الإنجيلي دائما باسم "الرسل" (لوقا 9: 10). اختارهم للكرازة بالملكوت "أَرسَلهم لِيُعلِنوا مَلَكوتَ اللهِ ويُبرِئوا المَرضى" (لوقا 9: 2). وبعد القيامة أرسلهم يسوع لكل العالم "اِذهَبوا في العالَمِ كُلِّه، وأَعلِنوا البِشارَةَ إِلى الخَلْقِ أَجمَعين" (مرقس 16: 14). وعليه فانه هناك دعوة مباشرة من المسيح كي يقوم الرسول بخدمته الرسولية. وأمَّا الشروط الاخرى للانضمام للاثني عشر فهي مذكورة في سفر أعمال الرسل (1: 21 و22)، إذ كان يجب أن يكون ممن كانوا مع يسوع منذ معمودية يوحنا إلى صعود المسيح، وقد كان هناك تأكيد خاص على أنهم شهود للقيامة "فيَسوعُ هذا قد أَقامَه اللّه، ونَحنُ بِأَجمَعِنا شُهودٌ على ذلك" (أعمال الرسل 2: 32). ونستنتج من كل ما تقدم أن إرسالية يسوع تمتد عن طريق مرسليه وهم الاثنا عشر، الذين لهذا السبب بالذات يحملون لقب المرسل. والواقع أن إرسالية الرسل ترتبط ارتباطا وثيقا بإرسالية يسوع: "كما أرسلني الآب، أرسلكم أنا أيضاً" (يوحنا 20: 21). وفي أثناء حياته أرسلهم يسوع يتقدمونه (لوقا 10: 1) ليعلنوا ملكوت الله ويشفوا المرضى (لوقا 9: 1- 2)، وهذا هو موضوع إرساليته الشخصية. فهم العملة الذين يرسلهم ربّ الحصاد إلى حصاده (متى 9: 38). وهم العبيد الذين يرسلهم الملك لإحضار المدعوين لعرس ابنه (متى 22: 3). وينبغي ألاّ ينخدعوا بخصوص المصير الذي ينتظرهم: ما "كانَ الرَّسولُ أَعظَمَ مِن مُرسِلِه" (يوحنا 13: 16)، وكما عامل العالم السيد، هكذا سيعامل عبيده (متى 10: 24- 25). ويرسلهم يسوع " كالخِرافِ بَينَ الذِّئاب" (متى 10: 16). وأمَّا الإرسال الأخير للاثني عشر فسيكون عند ظهور المسيح لهم بعد القيامة "اِذهَبوا في العالَمِ كُلِّه، وأَعلِنوا البِشارَةَ إِلى الخَلْقِ أَجمَعين" (مرقس 16: 15)، وليتلمذوا جميع الأمم (متى 28: 19)، وليقدّموا شهادتهم في كل مكان (أعمال 1: 8). وبذلك سوف تبلّغ إرسالية الابن فعلاً إلى جميع الناس، بفضل إرسالية رسله وكنيسته. لكن يسوع يعلم أن "الجيل الفاسد" سوف يضطهد من يرسلهم فيَقتُلونَ بعضهم ويصلِبون بَعضَهم ويطاردون بعضهم من مَدينَةٍ إِلى مَدينَةٍ (متى 23: 34). والمعاملة التي يعاملون بها سوف تعود على يسوع نفسه، وبالتالي على الآب: "مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. ومَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي، ومَن أَعرَضَ عَنِّي أعرَضَ عَنِ الَّذي أَرسَلَني" (لوقا 10: 16)، "مَن قَبِلَ الَّذي أُرسِلُه قَبِلَني أَنا ومَن قَبِلَني قبِلَ الَّذي أَرسَلَني (يوحنا 13: 20). أمَّا مهمة المرسلين فقد لخَّصها مرقس الإنجيلي في ثلاث كلمات (مرقس 6: 7-12): الكرازة بالتوبة، وإخراج الشياطين، وشفاء المرضى. فموهبة الكرازة او الكلمة تتطلّبُ حتمية الارتداد وتغيير الحياة؛ فالمرسلون يقومون بحثّ القلوب على التوبة والإنذار بالعقوبات، أو التبشير بالمواعيد: فيرتبط دورهم ارتباطاً وثيقاً بكلمة الله، التي هم مكلّفون بإعلانها للناس. وموهبة "طرد الشياطين: هي القدرة على قوى الشر، وموهبة "شفاء المرضى" هي تحسين نمط الحياة البشرية. وأمَّا الدهن بالزيت هو اضافي للشفاء وحافز للإيمان وهذه الخدمات الثلاث هي علامات الملكوت. 4) وسائل المرسلين للقيام بمهمة الإرسالية لا يعتمد الرسل والمبشّرون بالإنجيل على قواهم البشرية وحدها، او على الموارد والضمانات البشرية وإنما يؤدّون مهمتهم بقوة الروح القدس. أشار يسوع إلى حلول الروح المقبل في حديثه بعد العشاء السري، وقد أوضح ذلك بقوله لتلاميذه "المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم "(يوحنا 14: 26)، "ومَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب... فهُو يَشهَدُ لي" (يوحنا 15: 26). فيشترك الآب والابن في إرسال الروح. وعليه فان قوة المسيح توكل الي التلاميذ المرسلين. لذا كان الرسل يشهدون ليسوع بقوة الروح القدس. (لوقا 24: 49). وكانت مناداتهم بالغفران بسلطان الروح القدس كما قال لهم يسوع: "خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم" (يوحنا 20: 22 -23)، فالروح القدس هو الذي كان يُعلمهم ويُذكرهم بكل شيء كما وعد يسوع "المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم (يوحنا 14، 26) ويرشدهم إلى الحق "متى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه" (يوحنا 16: 13)، فالروح القدس كان هو الشاهد في الرسل "رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب فهُو يَشهَدُ لي وأَنتُم أَيضاً تَشهَدون" (يوحنا 15: 26) وبكلمة أخرى، خدمة الانجيل هي خدمة الروح (2 قورنتس 3). ويعتمد المرسلون على سلطة يسوع المسيح. اعطاهم السيد المسيح سلطاناً على الأرواح النجسة (مرقس 6: 7) وسلطان على شفاء الأمراض (مرقس 6: 13) وإخراج الشياطين (مرقس 3: 15)؛ وعليه فان خدمة الرسل كانت مصحوبة بآيات وعجائب كما يؤكده صاحب الرسالة الى العبرانيين "أَيَّدَتهم شهادةُ اللهِ بِآياتٍ وأَعاجيبَ ومُعجِزاتٍ مُختَلِفَة وبِما يُوَزِّعُ الرُّوحُ القُدُسُ مِن مَواهِبَ كَما يَشاء (عبرانيين 2: 4). أمَّا احتياجاتهم المادية فالله يسدُّها، ويعلق القديس أمبروسيوس"يُظهر الإنجيل صفات الكارز بملكوت الله... فإنه إذ لا يطلب عونًا من موارد هذا العالم ويسلم نفسه للإيمان، يدرك أنه كلما ترك طلب خيرات الأرض ازدادت بالنسبة له". ويقبل المرسلون الضيافة حيثما اعطيت لهم. وأرسل يسوع تلاميذه أثنين اثنين (مرقس 6: 7) من اجل الشركة والشهادة (2 قورنتس 13: 1). أمَّا إذا لم يُرحب بهم، عليهم نفض التراب شهادة عليهم او إنذارا لهم للتكفير والتوبة (مرقس 6: 11) وليس لإظهار الاشمئزاز. الخلاصة كما أنّ الآب أرسل ابنه كذلك أرسل الابن رسلَه (يوحنا 20: 21) وقال لهم: "فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم" (متى 28: 19-20). ولقد تسلَّمت الكنيسة من الرسل وصيّة الرّب يسوع المسيح الرسميّة، لتكرز بحقيقة الخلاص "حتَّى أَقاصي الأَرض" (أعمال الرسل 1: 8). وأخذت الكنيسة على عاتقها كلمات القدّيس بولس الرّسول القائل: "الوَيلُ لي إِن لم أبَشِّر!" (1 قورنتس 9: 16). وما زالت ترسل المبشّرين دون انقطاع، فتتابع عمل التبشير بذاتها. وعلى كلّ تلميذ من تلاميذ الرّب يسوع المسيح، أن يأخذ قسطه في مهمّة نشر الإيمان. ("نور الأمم، دستور عقائدي في "الكنيسة"، العدد 17). وبفضل المرسلين أصبح عدد أتباعِ يسوع همُ الأكثر في العالم، وقد وصل إلى 1.6 مليارِ مُؤمن. ليس من عضو في الكنيسة إلا وله دور. فهو مدعو ومرسل بحكم معموديته وانتمائه. أليس الروح القدس "مسحنا" بالعماد، وختمنا بختمٍ لا يُمحى (2 قورنتس 21: 1) فلنصرخ من أعماق قلوبنا "لَبَّيكَ، يا رَبّ... ماذا أَعمَل، يا ربّ؟" (أعمال الرسل 9: 10؛ 22: 10) أرسلني حيث تشاء، وإلى أيّ مكان. وهكذا اقول مع يسوع "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لِأَنَّهُ مَسَحَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء وأَرسَلَني لأُعلِنَ لِلمَأسورينَ تَخلِيَةَ سَبيلِهم وللعميان عَودَةَ البصَرِ إِلَيهِم وأُفَرِّجَ عنِ الـمَظلومين وأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرَّبّ" (لوقا 4: 18-19)، وذلك كي يُصبح الله كلاًّ في الكلّ (1قورنتس 15: 28). دعاء أيها الآب السماوي، نطلب اليك باسم يسوع المسيح، ان تجعلنا رسلا ومبشرين للملكوت السماوي بحكم معموديتنا وانتمائنا فنواصل عمل يسوع التبشيري الى العالم ونشهد لفرح الإنجيل بالقول والفعل معتمدين لا على الضمانات البشرية والمادية إنما على نعمة الروح القدس وروح الفقر. آمين قصة: التبشير للتغيير نقرأ في رواية كوفاديس عن فينسيس الروماني الّذي أحبّ فتاة مسيحيّة، ولمّا لم تقبله زوجاً لأنّه غير مسيحي ذهب وراءها إلى الاجتماع السرّي للمسيحيّين وهناك سمع بطرس يعظ، وأحسّ أنّ شيئاً ما يحدث داخله، وعرف أنّه لو تبع هذه التعاليم الجديدة لاحترقت حياته الأولى وضاعت، ثمّ نبت مكانها حياة جديدة مملوءة بالحركة والحيويّة. هذه هي التوبة والتغيير. والتغيير هو الانتقال من عبادة النفس إلى عبادة الربّ.